ابن عربي

80

مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية

ومن شاهد الأنهار ، ثم البحر المحيط ، ثم الأبحر ، فذلك : صاحب دليل . ومن شاهد الأبحر ، ثم الأنهار ، ثم البحر المحيط ، فذلك : صاحب آفات لكنه ناج . ثم قال لي : من كان من أهل عنايتي أنشأت له مركبا فجرى به في الأنهار حتى قطعها . فإذا رمت الأنهار به في الأبحر ، جرى فيها حتى تنتهي إلى البحر المحيط . فإذا انتهى إليه علم الحقائق وكاشف الأسرار . وإلى هذا البحر ينتهي المقربون . وأما من فوقهم ، فإنهم يجرون فيه ألف سنة حتى ينزلوا بساحله : فيخرجون في صحراء قفرا لا تدرك لها نهاية ولا غاية . فينتهون فيه ما بقيت الديمومية ، فإذا فنيت فنوا . ثم قال لي : انظر . فرأيت ثلاثة منازل : ففتح لي المنزل الأول : فرأيت فيه خزائن مفتحة ، ورأيت السهام قد تعاورتها ، ورأيت الرعاع يطوفون بأرجائها ويريدون كسرها . فخرجت من ذلك المنزل . وأدخلني المنزل الثاني : فرأيت فيه خزائن مقفلة ومفاتيحها معلقة على أقفالها . فقال : خذ المفاتيح وافتح ، وتنزه ، واعتبر . ففتحت الأقفال ، فرأيتها مملوءة دررا ، وجواهر ، وحللا ما لو اطلع عليها أهل الدنيا لا قتتلوا عليه . ثم قال لي : خذ منها حاجتك وردها كما وجدتها . قلت : لا حاجة لي بها . فأغلقتها . فقال : ارفع رأسك . فرأيت على أبوابها طاقات وحاجات لا يشرف عليها إلا الطوال من الناس من كان طوله مائة ذراع فصاعدا . ورأيت من دون الطوال يتعلقون بحلق تلك الأبواب ويقرعون بها . فإذا استدام القرع وكثر الصياح تنبعث لهم من تلك الطاقات معصم تمسك سراجا يستضيئون « 1 » به ويرى بعضهم بعضا ، ويتآنسوا ، وتنفر سباع كانت تؤذيهم ، ودخلت الأفاعي حجرتها ، وحصل لهم الأمن من كل ضرر كانوا يجأرون في الظلمة ورأيت في جوانب تلك الخزائن سهاما قد تعاورتها دون الأولى .

--> ( 1 ) في النسخة ( ط ) : ( يتضوأون ) والمطلوب في الموقف هذا هو طلب الاستضاءة كما أشارت إليه النسخة المخطوطة ( د ) .